حين تصبح سفن تركيا هدفاً: حرب المسيّرات البحرية تقرع أبواب الأمن القومي التركي
مع خروج الحرب الروسية-الأوكرانية عن حدود الجبهات إلى شرايين التجارة البحرية، تتحول السفن المرتبطة بتركيا إلى أهداف مباشرة في البحر الأسود — ويحذّر خبراء تحدثوا للصحافة التركية من أنّ الأمر لم يعد شأناً تجارياً بل «مسألة أمن قومي» لأنقرة، فيما تحجم شركات شحن عن الإبحار في المنطقة أصلاً.
لم تعد حرب أوكرانيا حرب خنادق على جبهة الـ1200 كيلومتر؛ فبعد أربع سنوات دامية يقدّر معهد دراسة الحرب (ISW) حصيلتها بنحو 1.6 مليون قتيل، انتقلت المواجهة إلى مساحة تمس تركيا مباشرة: البحر.
من الجبهة إلى الموانئ
فالمسيّرات والصواريخ الدقيقة التي استُخدمت في بدايات الحرب ضد خطوط الإمداد والمستودعات، توسعت أهدافها تدريجياً إلى المدن والمصانع والمراكز المالية — حتى بلغت أخيراً العمود الفقري للتجارة العالمية: النقل البحري، بهجمات متبادلة على الموانئ والناقلات في البحر الأسود طالت سفناً مرتبطة بتركيا ملكيةً أو تشغيلاً أو طاقماً.
«مسألة أمن قومي»
ويجمع خبراء تحدثوا لصحيفة حرييت على أنّ استهداف السفن التركية الارتباط يتجاوز الخسارة التجارية إلى صميم الأمن القومي: فتركيا دولة المضائق وحارسة مونترو، وثلاثة أرباع تجارتها الخارجية تمر بحراً، وأي تطبيع مع استهداف سفنها يعني كسر هيبة الردع البحري التركي في حديقته الخلفية — ويحمّل أنقرة عبء رد لا تريده وتصعيداً لا يحتمله البحر الأسود.
الشركات تنسحب بصمت
الأخطر أنّ السوق بدأ يصوّت بقدميه: شركات شحن ومؤمّنون باتوا يتحاشون مسارات البحر الأسود أو يسعّرونها بعلاوات حرب خانقة — خاصة بعد تحذير زيلينسكي الأخير بأنّ أجواء روسيا «ستُغلق فعلياً» ورد بوتين بوصف كييف بـ«الإرهابيين» — ما ينذر باختناق تدريجي لشرايين الحبوب والطاقة التي كانت مبادرة إسطنبول للحبوب قد أبقتها نابضة بنقل 32.8 مليون طن في عامها الأول.
هامش أنقرة الضيق
وبين عرضها المتجدد لاستضافة المفاوضات — الذي أكد الكرملين أمس تداوله في قمة أردوغان-بوتين ببشكيك — وواجبها في حماية أعلامها وبحّارتها، تمشي أنقرة على حبل دقيق: وساطة تتطلب مسافة واحدة من الطرفين، وأمن قومي يتطلب صرامة تجاه من يمس سفنها — معادلة ستختبر الدبلوماسية التركية في أسابيعها المقبلة كما لم يختبرها شيء منذ بدء الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.