غزوة خيبر: ملحمة النور التي فتحت حصون اليهود بقيادة النبي ﷺ
تروي غزوة خيبر قصة النصر المبين الذي أيده الله لنبيه ﷺ بعد حصار حصون اليهود المنيعة، حيث تجلت شجاعة الصحابة وصدق الإيمان، لتكون من أعظم فتوحات الإسلام.
مقدمة:
غزوة خيبر ليست مجرد معركة من معارك الإسلام، بل هي فصل من فصول النور في تاريخ الدعوة المحمدية، حيث واجه المسلمون فيها قوة مادية عظيمة بإيمان لا يُقهر، وقلوب عامرة بذكر الله. كانت خيبر قلعة حصينة لليهود الذين نقضوا العهود وتآمروا مع أعداء الإسلام، فكانت ساعة الحق قد اقتربت ليُطهر الله الأرض من الغدر والخيانة.
خيبر خلفية تاريخية:
بعد أن عاد النبي ﷺ من صلح الحديبية، هدأت جبهة قريش، فالتفت إلى خطر آخر يهدد الدولة الإسلامية في المدينة: يهود خيبر.
كانت خيبر تبعد نحو 150 كيلومترًا عن المدينة، وكانت مركزًا اقتصاديًا وزراعيًا ضخمًا، يسكنها اليهود الذين غدروا بالمسلمين في معارك سابقة، وحرّضوا الأحزاب على غزو المدينة يوم الخندق.
رأى النبي ﷺ أن الأمان لا يكتمل ما دام هؤلاء خلفه يحيكون المؤامرات، فقرر أن يسير إليهم لينهى شرهم ويحقق وعد الله بالنصر لعباده المؤمنين.
بداية التحرك نحو خيبر:
في محرم من السنة السابعة للهجرة، خرج رسول الله ﷺ ومعه نحو ألفٍ وأربعمائة مقاتل من المسلمين، جميعهم من أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة على الموت.
ولم يصحبوا معهم إلا الخيول والسيوف والإيمان، بينما كان اليهود يتحصنون في حصونهم المنيعة التي قُدّر عددها بأكثر من عشرة حصون قوية، لكل منها أسوار وأبواب من حديد.
قال رسول الله ﷺ وهو يودّع المدينة:
"اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها."
بداية التحرك نحو خيبرطبيعة حصون خيبر:
كانت خيبر تنقسم إلى منطقتين رئيسيتين:
النطاة: وتضم حصون “نعم”، “الصعب بن معاذ”، و“الشق”.
الشقوق والكتيبة: حيث توجد حصون “الوطيح” و“السلالم”.
وكان اليهود قد تجهزوا بأسلحة كثيرة وعتاد ضخم، وعدد كبير من المقاتلين يقدّر بنحو عشرة آلاف رجل.
بينما كان المسلمون أقل عددًا وعدة، ولكن قلوبهم كانت عامرة بالإيمان.
لحظة المواجهة الأولى:
وصل النبي ﷺ إلى خيبر ليلًا، وقال لأصحابه:
"قفوا، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين."
وفي الصباح خرج اليهود إلى مزارعهم، فلما رأوا جيش المسلمين صرخوا:
"محمد والخميس معه!"
(أي الجيش الكبير).
فهرعوا إلى حصونهم وأغلقوا الأبواب.
بداية القتال وسقوط الحصون:
بدأ المسلمون بحصار حصن نعم بن الحارث، وكان من أعظم حصون خيبر.
قاتل المسلمون بشجاعة، لكن الحصن كان شديد التحصين، فاستمر القتال أيامًا حتى فتحه الله عليهم.
ثم توالت الانتصارات، فسقط حصن بعد آخر، بفضل تخطيط النبي ﷺ وثبات أصحابه.
بطولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
في أثناء حصار حصن الصعب بن معاذ، أعطى النبي ﷺ الراية أولًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقاتل ثم رجع، ثم أعطاها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فرجع كذلك،
فقال رسول الله ﷺ:
"لأُعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه."
فبات الناس يترقبون من يكون هذا الرجل.
فلما أصبحوا، قال النبي ﷺ: "أين علي بن أبي طالب؟"
فقيل: يشتكي عينيه يا رسول الله.
فدعا له النبي ﷺ فتفل في عينيه، فشُفي بإذن الله كأن لم يكن به وجع، وأعطاه الراية.
خرج علي رضي الله عنه يهتف:
"أنا الذي سمتني أمي حيدرة، كليث غاباتٍ كريه المنظرة!"
فحمل الراية واقتحم الحصن، حتى فتح الله على يديه خيبر بعد قتال شديد.
مشهد البطولة والفتح العظيم:
تُروى في كتب السيرة أن باب الحصن كان عظيمًا وثقيلًا،
فلما انهار دفاع اليهود، حاول علي رضي الله عنه أن يفتح الباب فلم يستطع أحد معه،
فأخذ الباب ورفعه بيديه المباركتين وجعله ترسًا يقاتل به حتى دخل المسلمون الحصن.
قال أحد الصحابة: "لقد رأيتني سبعة نفر نحاول أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا."
النهاية والنصر المبين:
بعد فتح حصون خيبر، طلب اليهود الصلح، على أن يتركهم النبي ﷺ يعملون في الأرض على أن يكون للمسلمين نصف الثمار.
فأقرهم النبي ﷺ على ذلك، رحمةً بهم وعدلًا في الحكم.
وهكذا فتحت خيبر، ودخلت في ظل الإسلام آمنة بعد أن كانت منبعًا للغدر.
الدروس والعبر من غزوة خيبر:
الثقة في وعد الله: فقد تحقق وعده بالنصر رغم قلة العدد والعدة.
الشجاعة والتضحية: تجلت في ثبات الصحابة واستبسالهم.
الرحمة حتى في النصر: لم يأمر النبي ﷺ بقتل الأسرى أو الانتقام، بل عاملهم بالحسنى.
الإيمان قوة لا تُقهر: حين يتوكل المؤمن على ربه، لا تقف أمامه حصون الدنيا.
التخطيط النبوي الحكيم: علمنا النبي ﷺ أن الإيمان لا يُغني عن الأخذ بالأسباب
عدد القتلى وأحداث ما بعد الغزوة:
قُتل من اليهود نحو 93 رجلاً، ومن المسلمين 15 شهيدًا رحمهم الله.
كما تزوج النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب بعد أن أسلمت، فكانت رمزًا لوحدة القلوب بعد الصراع، ورحمة الإسلام التي تضم الجميع تحت رايته.
وقُسمت الغنائم بالعدل بين المقاتلين، وخصّ النبي ﷺ من شهد بيعة الرضوان.
أثر الغزوة في التاريخ الإسلامي:
كانت خيبر نقطة تحول عظيمة؛ إذ قضت على آخر قوى اليهود في الجزيرة، وأعادت الأمن إلى المدينة.
كما رفعت مكانة المسلمين بين القبائل، فبدأت الوفود تأتي إلى النبي ﷺ من كل مكان معلنة الإسلام.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الإيمان الراسخ سلاح الأمة، والنور الإلهي دافعها نحو الفتوحات الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.